كتبت مي وليد
تلقى الدكتور عمرو عثمان، مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي ومدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، تقريراً مفصلاً حول نتائج عمل الخط الساخن للصندوق “16023” خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، وهو التقرير الذي يعكس حجم الجهود الكبيرة التي تقوم بها الدولة من أجل حماية الشباب والمجتمع من أخطار المخدرات، وتوفير منظومة علاجية متكاملة تضمن السرية والاحترافية والمجانية.
التقرير أشار إلى أن الخط الساخن للصندوق استقبل خلال تلك الفترة عشرات الآلاف من المكالمات والاتصالات من مختلف أنحاء الجمهورية، حيث وصل عدد المرضى الذين حصلوا على الخدمات العلاجية سواء كانوا “حالات جديدة” أو “حالات متابعة” إلى 84 ألفاً و934 مريضاً. وهذا الرقم الضخم يؤكد أن هناك إقبالاً متزايداً على طلب العلاج، كما يكشف في الوقت ذاته عن تنامي الثقة المجتمعية في الصندوق والخدمات التي يقدمها.
ومن بين هؤلاء المرضى، برزت نسبة مهمة تمثل 12 ألفاً و388 مريضاً من قاطني المناطق السكنية الجديدة التي أنشأتها الدولة بديلاً للعشوائيات، مثل الأسمرات، المحروسة، روضة السودان، روضة السيدة، أهالينا، الخيالة، بشاير الخير، وحدائق أكتوبر. هذه النسبة تحمل دلالات قوية على أن خطط الدولة لتطوير العمران وتحسين البيئة المعيشية تتكامل مع الخطط الاجتماعية والصحية الرامية إلى محاصرة الإدمان داخل تلك المناطق، وضمان وصول الخدمات الطبية إلى جميع الفئات دون تمييز.
كما أوضح التقرير أن نوعية الخدمات التي يتم تقديمها عبر المراكز العلاجية المتعاونة مع الصندوق تتنوع ما بين المتابعة المستمرة للمريض، وتقديم الاستشارات النفسية والطبية، مروراً بمرحلة العلاج والتأهيل، وصولاً إلى الدمج المجتمعي بعد التعافي، وكل ذلك يتم وفق المعايير الدولية وبدون أي مقابل مادي. هذه المنظومة يتم تطبيقها عبر شبكة واسعة تضم 34 مركزاً علاجياً منتشرة في 19 محافظة، وهو ما يجعل الخدمات متاحة لأكبر عدد ممكن من المواطنين، مع التوسع التدريجي لتغطية مختلف المناطق على مستوى الجمهورية.
التقرير كشف أيضاً عن بعض الأبعاد الاجتماعية المهمة، حيث بيّن أن نسبة الذكور المستفيدين من هذه الخدمات بلغت 96%، بينما اقتصرت نسبة الإناث على 4% فقط، وهو ما يشير إلى وجود فجوة اجتماعية وثقافية تجعل النساء أقل إقبالاً على طلب العلاج رغم وجود الحاجة. كما أوضح التقرير أن محافظتي القاهرة والجيزة تصدرتا قائمة المحافظات الأكثر استقبالاً للخدمات العلاجية، إذ جاءت القاهرة في المركز الأول بنسبة 27% تليها الجيزة بنسبة 18%، ويرتبط ذلك بالكثافة السكانية الكبيرة في المحافظتين إلى جانب توافر عدد من المراكز العلاجية بهما.
وفيما يتعلق بمصادر معرفة المواطنين بخدمات الخط الساخن “16023”، فقد جاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في الصدارة، وهو ما يعكس نجاح الحملات التوعوية الإلكترونية للصندوق عبر منصاته المختلفة، خاصة صفحته الرسمية على موقع “فيس بوك” التي تضم نحو 2 مليون متابع. كما جاء التلفزيون في المرتبة الثانية كمصدر رئيسي للتعريف بخدمات الصندوق، ثم المواقع الإخبارية الإلكترونية.
ولم يغفل التقرير تحليل طبيعة المواد المخدرة الأكثر انتشاراً بين المتعاطين خلال هذه الفترة، حيث تبين أن المواد الاصطناعية مثل الكريستال ميث، الاستروكس، الفودو، البودر والشابو تمثل التحدي الأكبر حالياً، تليها المواد التقليدية مثل الحشيش والهيروين والترامادول، بالإضافة إلى وجود نسبة كبيرة من الحالات التي تمارس ما يُعرف بـ”التعاطي المتعدد” أي تعاطي أكثر من نوع من المواد في نفس الوقت، وهو ما يجعل التدخل العلاجي أكثر صعوبة ويستدعي برامج تأهيلية متخصصة.
كما أظهر التقرير ملامح الثقة المتزايدة من قبل المرضى وأسرهم في الخط الساخن، حيث جاء المريض نفسه في مقدمة المتصلين بنسبة 34%، بينما لعبت الأسرة دوراً بارزاً إذ جاءت الأمهات بنسبة 13% والأشقاء بنسبة بلغت 14% للأخ و12% للأخت، وهو ما يعكس إدراكاً مجتمعياً متزايداً لخطورة الإدمان وضرورة التدخل المبكر لإنقاذ المدمن قبل فوات الأوان.
وعند الحديث عن العوامل التي تدفع الشباب للتعاطي، جاء “أصدقاء السوء” على رأس القائمة بنسبة 62%، وهو ما يعكس دور البيئة المحيطة وأثرها المباشر على سلوكيات الشباب، تلاه “حب الاستطلاع” بنسبة 23%، وهي دوافع تكشف أن أغلب حالات التعاطي تبدأ من دوافع اجتماعية وتجريبية أكثر من كونها دوافع مرضية. أما بالنسبة للعوامل التي دفعت المرضى لطلب العلاج، فجاءت “ضياع الصحة” في المقدمة بنسبة 37%، تليها الضغوط الاقتصادية وعدم القدرة المادية بنسبة 24%، بالإضافة إلى المخاوف المرتبطة بفقدان الوظيفة أو التعرض للمساءلة القانونية.
وأكد الدكتور عمرو عثمان أن الخط الساخن للصندوق سيظل متاحاً لتلقي الاتصالات من أي موظف يتعاطى المواد المخدرة، حيث يحصل المريض على خدمات العلاج مجاناً وبسرية تامة، شريطة أن يتقدم طواعية قبل نزول حملات الكشف في مكان عمله، أما في حال ضبطه متلبساً خلال الحملات الرسمية، فحينها يتم اتخاذ الإجراءات القانونية.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن ما تحقق خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 لا يمثل سوى خطوة في مسيرة طويلة تستهدف القضاء على هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإدمان تسعى إلى تحقيق أهداف متوازية تشمل الوقاية والتوعية والعلاج وإعادة دمج المتعافين في المجتمع، بما يحولهم من عبء إلى طاقة إيجابية منتجة تسهم في تنمية المجتمع.

