كتبت/مي وليد
وسط أجواء مبهجة امتلأت بالفرحة والتقاط الصور التذكارية والسيلفي، استقبلت محافظة الأقصر مساء الخميس حدثًا استثنائيًا طال انتظاره، حيث حلّ الملك فيليبي السادس، ملك إسبانيا، والملكة ليتيزيا ضيفين كريمين على المدينة التاريخية، في زيارة وُصفت بأنها تاريخية بكل المقاييس، كونها أول زيارة يقوم بها ملك إسبانيا إلى جمهورية مصر العربية منذ توليه العرش عام 2014.
بداية الزيارة.. استقبال ملكي على أرض المطار
بدأت الزيارة الملكية لحظة وصول الطائرة الإسبانية إلى مطار الأقصر الدولي، حيث كان في الاستقبال المهندس عبد المطلب عمارة، محافظ الأقصر، والدكتور شريف فتحي وزير السياحة والآثار، وعدد من قيادات وأبناء المحافظة الذين اصطفوا للترحيب بالضيفين الكبيرين. وقد عكست مراسم الاستقبال الرسمية الحفاوة التي توليها مصر لهذه الزيارة، والتي تحمل رسائل سياسية وسياحية وثقافية مهمة. وأعرب محافظ الأقصر في كلماته عن سعادته باستضافة هذا الحدث، مشيرًا إلى أنه يساهم في تعزيز مكانة الأقصر كعاصمة عالمية للسياحة الثقافية ومتحف مفتوح على مر العصور.
جولة مبهرة في معبد الملكة حتشبسوت

من المطار، انطلق الملك والملكة مباشرة إلى البر الغربي، حيث كان بانتظارهما برنامج حافل يبدأ بزيارة معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري. وهناك، عاش الضيفان تجربة استثنائية داخل أحد أهم وأروع المعابد الجنائزية في مصر القديمة، حيث اصطف السياح والزائرون للترحيب بهما، بينما وثقا لحظات زيارتهما عبر صور سيلفي وتذكارية وسط أجواء سحرية أبرزت عظمة المكان وجمال الإضاءة الليلية التي أُضيفت حديثًا.
وشهد الملك والملكة تدشين مشروع الإضاءة الليلية للمعبد، الذي يعد جزءًا من خطة متكاملة لتطوير المواقع الأثرية بالأقصر، وهو مشروع نفذه اتحاد من كبريات الشركات الإسبانية، ليتيح فتح المعابد لساعات أطول وتنظيم زيارات ليلية، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للتجربة السياحية في المدينة.
تفاصيل المشروع الإسباني لتطوير الإضاءة
المشروع الذي افتتحه الملك فيليبي السادس وزوجته لم يكن مجرد تركيب أضواء جديدة، بل هو خطة متكاملة تضمنت أنظمة إضاءة احترافية بتقنيات LED حديثة، وكشافات صممت خصيصًا بلمسات حجرية طبيعية تتناغم مع البيئة الأثرية. كما شمل المشروع إضافة أنظمة أمنية متطورة تضم كاميرات مراقبة (Scati)، وأنظمة طاقة غير منقطعة (Salicru)، وأقفال إلكترونية (Ojmar)، ومولدات كهربائية حديثة (Electra Molins)، إلى جانب حلول ثلاثية الأبعاد (Virtualware) تعزز تجربة الزائرين.
وقد جرى تأمين محيط المعابد الكبرى في الضفتين الشرقية والغربية، بما يشمل معبد الأقصر، معبد الملكة حتشبسوت، وادي الملوك، معابد الرامسيوم ومدينة هابو، وهو ما يعكس اهتمامًا كبيرًا بتوفير أقصى درجات الأمان للزوار.

اليوم الثاني.. جولة ثقافية وعلمية
في صباح الجمعة، واصل الملك والملكة زيارتهما بزيارة متحف الأقصر على كورنيش النيل، حيث افتتحا معرضًا دائمًا يوثق أعمال البعثة الأثرية الإسبانية منذ عام 2009 وحتى 2021 في مدينة الموتى. ويضم المعرض أكثر من 300 قطعة أثرية نادرة، من بينها كنوز الوزير “أمنحتب حوي”، وقد أشرف على تنظيمه كبار المتخصصين الإسبان بالتعاون مع خبراء مصريين، في تجسيد حي لعلاقات التعاون الثقافي والعلمي بين البلدين.
كما شملت الزيارة الملكية تفقد موقعين أثريين من أعمال البعثة الإسبانية غرب الأقصر: الأول في منطقة ذراع أبو النجا، والثاني بجوار معبد الرمسيوم. وهناك استمع الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى شرح مفصل حول أحدث الاكتشافات الأثرية، والدور الإسباني البارز في حماية وصيانة التراث المصري.
رسالة ملكية بخط اليد
وعقب انتهاء البرنامج المسائي، توجّه الملك وزوجته إلى فندق “ونتر بالاس” التاريخي المطل على كورنيش النيل، حيث قضيا ليلتهما في الجناح الملكي الذي استضاف على مدار تاريخه ملوكًا ورؤساء وشخصيات عالمية بارزة منذ افتتاحه عام 1886. وخلال إقامته، ترك الملك فيليبي السادس رسالة بخط يده دوّن فيها إعجابه العميق بمدينة الأقصر وما تحويه من كنوز تاريخية، حيث كتب: “إقامة مميزة في الأقصر بفندق قصر الشتاء.. نأمل أن نعود مرة أخرى، ومصر وإسبانيا قريبان.”

أهميةالزيارة ورسائلها
أوضح محافظ الأقصر أن هذه الزيارة تمثل رسالة مباشرة للعالم بأمن واستقرار مصر، وتعكس ثقة الشعوب والدول الصديقة في المقصد السياحي المصري، مؤكدًا أن من شأنها المساهمة في تنشيط حركة السياحة الوافدة، خاصة من السوق الإسباني والأوروبي. كما أن تدشين مشروع الإضاءة الليلية يعزز تجربة الزوار ويضع الأقصر في مصاف الوجهات السياحية العالمية التي تدمج بين التاريخ والحداثة.
زيارة تاريخية تعزز العلاقات الثنائية
لم تكن زيارة الملك فيليبي السادس وزوجته إلى الأقصر مجرد جولة سياحية، بل حملت أبعادًا سياسية وثقافية مهمة، إذ سبقتها زيارة رسمية للقاهرة ولقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ما يعكس عمق العلاقات المصرية الإسبانية، والتطلع إلى تعزيز التعاون في مختلف المجالات، وعلى رأسها السياحة والثقافة والاستثمار.
وفي ختام الزيارة، حرص الملك فيليبي السادس على أن يترك لمسة خاصة، حيث دوَّن بخط يده في سجل الزوار رسالة قصيرة عبّر فيها عن إعجابه الشديد بمصر والأقصر، وجاء فيها: “إقامة مميزة في الأقصر.. نأمل أن نعود مرة أخرى”. رسالة بسيطة لكنها تحمل في طياتها تقديرًا عميقًا للحضارة المصرية، وتعكس الأثر البالغ الذي تركته مدينة الأقصر في نفوس العائلة الملكية الإسبانية.
وبذلك، غادرت العائلة الملكية الإسبانية مدينة الأقصر، بعدما تركت بصمة تاريخية وأصداء واسعة بين أهالي المحافظة وزوارها، الذين شعروا بالفخر أن تكون مدينتهم مقصدًا ملكيًا عالميًا يضاف إلى سجلها العريق الممتد عبر آلاف السنين.